جريمة العدوان بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية

  • م.د. حيدر عبد الرزاق حميد جامعة ديالى

الملخص

تبنت المادة (5/ د) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية جريمة العدوان. وانطلاقاً مما تبنته المادة حاولت الدكتورة كاري ماكدوغال المحاضرة الأولى في جامعة ملبورن الاسترالية، والتي عملت قبل ذلك في وزارة الخارجية والتجارة الأسترالية أن تقدم في الطبعة الثانية من كتابها: ((جريمة العدوان بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية)) الصادر عن جامعة كامبرج عام (2021م)، تحليلًا قانونيًا شاملًا ومتطورًا لتعريف جريمة العدوان، فضلًا عن الأحكام التي تحكم ممارستها وفقًا للولاية القضائية للمحكمة الجنائية الدولية عليها. ونتيجة لمشاركة الدكتورة ماكدوغال في المفاوضات التي دارت بين الدول المشاركة في المؤتمر الاستعراضي الأول الخاص بمراجعة النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المنعقد في كمبالا عاصمة أوغندا، كمستشارة لوفد أستراليا فيه، فقد ساهمت في كتابها هذا مساهمة علمية كبيرة. إذ يعد هذا الكتاب أول دراسة حقيقية لجريمة العدوان بعد مؤتمر كمبالا. لقد تناولت المؤلفة كل عنصر من عناصر تعريف جريمة العدوان، فضلًا عن اعطاء عرض شامل للنظام القضائي لها من خلال طرح الأسئلة القانونية المتعلقة بالتفعيل النهائي لهذه الجريمة أمام المحكمة الجنائية الدولية. كل ذلك جاء معززا بالتحديات الاجرائية الواجب اتباعها أمام المحكمة الجنائية الدولية مع بعض الإجراءات الجنائية الوطنية المعروضة حاليًا أيضًا. خلال المؤتمر الاستعراضي، طرح الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة السيد كوفي انان مسألةً في غاية الأهمية؛ إذ جاء ذلك من خلال ما صرح به قائلًا: "ستظل اسئلة المصداقية قائمة طالما أن ثلاثة من الأعضاء الخمسة الدائميين في مجلس الأمن يرفضون إعادة النظر في موقفهم وينضمون إلى أولئك الذين اتخذوا الخطوة الشجاعة ليصبحوا أطرافًا في النظام الأساسي."  وانطلاقا من ذلك، حاولت المؤلفة أن تجيب وتثبت صدق سعي الدول الأطراف في المحكمة الجنائية الدولية لإظهار التزامهم بالسلام وسيادة القانون. لقد استعانت المؤلفة بالمصادر الموثوقة والرصينة لإثبات موقفها. إذ استخدمت ما يزيد عن عشرين اتفاقية، ومعاهدة وميثاق دولي. فضلًا عن مجموعة لا بأس بها من القضايا الحديثة المختلفة سواء كانت الدولية منها أم الوطنية. كما استعانت المؤلفة أيضًا بالقوانين الوطنية لأغلب بلدان العالم. ناهيك عن وثائق الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية.  لقد كان هذا الكتاب بحق إثراءً للمكتبة القانونية الدولية؛ إذ قدمت المؤلفة دراسة قانونية شاملة لكل ما يحيط بجريمة العدوان في إطار المحكمة الجنائية الدولية، وسبل تطبيقها. فضلًا عن ذلك، فقد حاولت أن تزيل الغموض عن كل ما يكتنف مفهوم هذه الجريمة وسبل تفعيلها خصوصًا، إذا ما وضعنا ما تمتاز به الحوارات والقرارات الدولية من صعوبة بالغة في اتخاذها والوصول إليها، لا سيما إذا كانت تمس مصالح بعض الدول الكبرى، وفي مسألة حساسة مثل جريمة العدوان. بعد كل ما ذكرته المؤلفة من المحاولات الجادة والسعي الحثيث للمجتمع الدولي لتذليل صعوبات معاقبة ومحاسبة مرتكبي هذه الجريمة البشعة، إلا إن السؤال الواقعي لا يزال مطروحًا، ومفاده: هل تستطيع المحكمة الجنائية الدولية أن تبسط سيادة القانون على مرتكبي جريمة العدوان فعليًا أم لا؟ حقيقةً، الإجابة عن هذا السؤال في غاية الصعوبة، إذ بالرغم من كل الجهود الدولية العظيمة التي تحققت وبصيص لأمل الذي تحدثت عنه المؤلفة، والحلول الفقهية والعملية التي طرحتها وتناولتها في ثنايا كتابها، إلا إننا نرى أن المجتمع الدولي لا يزال بحاجة إلى تقديم المزيد من التنازلات تجاه العدالة الدولية لغرض فرض سيادة القانون وتحقيق السلام الدولي. إذ يلاحظ كل من اطلع على الطرق والشروط التي سنها المؤتمر الاستعراضي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية المعقود في كمبالا لتطبيق وتفعيل جريمة العدوان أنها شروط مقيدة جدًا، ولا تزال صعبة ولا يمكن تطبيقها بصورة فعلية. إلا أن ذلك كله مرهون بالإرادة الدولية للدول؛ فمتى ما سوف يكون هناك المزيد من الإرادة الحقيقية للدول لتطبيق سيادة القانون على الجميع بشكل متساوٍ، فلن يقف بوجه إحلال السلام الدولي شيء، وسوف تصبح معاقبة مرتكبي هذه الجريمة البشعة أمام هذه المحكمة الفتية ووقوفهم خلف قضبانها أسهل وليس ذلك ببعيد.
منشور
2022-06-15
القسم
عرض الكتب العلمية